وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

لقد كرم الله الإنسان وحمله في البر والبحر وفضله على أكثر المخلوقات كما

في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم

مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء: 70)

وبخصوص الانتقال تبين هذه الآية حمل الإنسان في البر والبحر حملا مطلقا

غير مقيد بطريقة خاصة للحمل مما يفيد في الماضي -قبل عصر الاختراع-

ما يركبه في البحر من قوارب وسفن خشبية تسير بالمجداف أو الشراع،

ومما يفيد أيضا -في عصر المدنية الحديثة- كل ما جد أو يستجد من وسائل

الركوب والانتقال من سيارات وقطارات وطائرات وسفن بحرية عملاقة أو

سفن فضاء.

ولكن قد يسأل سائل: إن هذه الآية لم تذكر وسائل الحمل في الجو أو

الفضاء. والجواب عن ذلك نجده في الآيتين القرآنيتين التاليتين بأسلوب بديع

لائق بكمال علم الله وبإعجاز كتابه:

1- يقول -سبحانه- مشيرا إلى تقدم السفن العادية إلى أخرى مشحونة -أي

عملاقة-، ثم تطور الأخيرة إلى وسائل حمل جديدة تشبه السفن في أهم

صفاتها لتتحقق المِثْلية المذكورة في قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ

فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} (يس: 41-42)

 

 

وعبارة {ذريتهم} تشير إلي الأجيال القادمة بعد نوح -عليه السلام-؛ أي إلى

ما سيحدث من تقدم في صناعة السفن إلى أن تصل إلى سفن عملاقة وصفها

الله -سبحانه- بالفلك المشحون، وبالجبال (الأعلام) كما في الآية الثانية

والثلاثين من سورة الشورى مما يفيد التطور المستمر في حجم السفن، ومن

ثَمَّ التقدم في وسائل الطاقة الكافية لدفع هذه السفن الكبيرة غير الشراعية.

وأما عبارة {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} فهي إشارة إلى وسائل أخرى

لا بد أن تشبه السفن في اشتراكها في صفة مميزة.

 

 

ولو أمْعنَّا التفكير لوجدنا أن أهم صفات السفن هي السباحة في الماء حقيقة لا

مجازا، وأن وسائل الطيران التي توصل إليها الإنسان في العصر الحديث

هي الوحيدة التي تتصف علميا بهذا الوصف الأساسي للفلك؛ فالطائرة تَسْبح

أيضا في الهواء الجوي كما تَسْبح السفينة في الماء. كما أن سفن مكوك

الفضاء تَسْبح في الفضاء المحتوي على الغاز الكوني والمادة السوداء علاوة

على توازنها في مدارها مما يؤدي إلي انعدام وزنها في فلكها نظرا لتعادل

القوة المركزية الطاردة مع قوة الجذب نحو مركز الدوران تماما كالتعادل بين

وزن السفينة إلى أسفل ودفع الماء لها إلى أعلى.

 

ويشعر رواد الفضاء بانعدام الوزن وكأنهم يسبحون في الفراغ، وبهذا يظهر

الإعجاز العلمي لهذه الآية الكريمة في عصرنا.

أما التفاسير السابقة فقد ذكرت أن عبارة {مِّن مِّثْلِهِ} تعني الإبل باعتباره –

مجازا- سفينة الصحراء على الرغم من أن الإبل لا تحقق شيئا من المِثْلية

اللهم إلا عن طريق المجاز باعتبار الإبل وسيلة للركوب، ولكن الإبل ليس

لها صفة السباحة المميزة للطائرة وسفن الفضاء والمناطيد التي تفسر الآية

على حقيقة اللفظ وليس على مجازه.

 

 

2- يقول سبحانه في القسم الإلهي: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} (النازعات: 3)

وهذا القسم يشمل كل سابحة بصفة عامة في ماء أو هواء أو فضاء؛ فهي

تشمل حيوان البحر وسُفُنه كما تشمل طير الجو وطائراته، بل تشمل الأجرام

الفلكية التي توصف حركتها بالسباحة كما في قوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ

يَسْبَحُونَ}. وقد ذهب بعض أئمة التفسير إلى هذا المعنى الفلكي فقط في

تفسير عبارة {والسابحات سبحا}، ولكن لا داعي لهذا التخصيص، وأعتقد

أن القَسَم الإلهي بالسابحات مفتوح على الإطلاق؛ فالطائرات الحديثة تسبح

في جو السماء، وتطوي المسافات طيًّا كما توقع النبي -صلى الله عليه

وسلم- في الحديث الشريف:

– ” لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتُزوى الأرض زيًّا” (رواه

الطبراني).

–  “في آخر أمتي رجال كأشباه الرجال ونساؤهم كاسيات عاريات ويركبون

المياثر “.

والمقصود بالمياثر -هنا-: السروج الكبار؛ أي ما يقابل السيارات

والطائرات في عصرنا. وبهذا فالقسم الإلهي (والسابحات سبحا) مطلق

ويشمل عموما سفن الفضاء ومكوكه، بل والأقمار الصناعية التي تسبح في

الفضاء بدليل المفعول المطلق (سبحا) الذي يؤكد أن المراد من السبح حقيقته

لا مجازه،

وصدق الحق تبارك وتعالى بقوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ}

(الأنعام: 38)

حقا لقد أشار القرآن الكريم عن طريق التعميم لا التخصيص -أي بعموم

اللفظ لا بخصوص السبب- إلى وسائل الانتقال المختلفة بالأسلوب القرآني

الشامل الجامع في كل الآيات، والذي يظهر إعجازه عبر العصور عندما

يتبين في آياته وجه لم يكن تبين وناحية لم يكن أحد يعرفها، كما في قوله

تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} (ص: 87-88)

 

Copyright © 2003• All Rights Reserved • UAEFALAK.NET

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s